ابن أبي الحديد
211
شرح نهج البلاغة
فأما ما يعم فهو من قصور طبيعة الناس في معرفة الصنائع أيا كانت عن بلوغ الغاية فيها ، حتى لا يبقى وراءها غاية أخرى ، فكثرة الخطأ وقلته على حسب تقصير واحد فيها ، حتى لا يبقى وراءها غاية أخرى ، فكثرة الخطأ وقلته على حسب تقصير واحد واحد من الناس . وأما ما يخص هذه الصناعة فهو كثير ما يحتاج صاحبها إلى معرفته ، مما لا يمكنه أن يعلم كثيرا منه إلا بالحدس والتخمين ، فضلا عن لطف الاستنباط وحسن القياس ومما يحتاج إلى معرفة علم أحوال الفلك ، ومما يحدث في كل واحد من تلك الأحوال ، فإن كل واحد منها له فعل خاص ، ثم يؤلف تلك الأحوال بعضها مع بعض على كثرة فنونها واختلافاتها ، ليحصل من جميع ذلك قوة واحدة ، وفعل واحد يكون عنه الحادث في هذا العالم ، وذلك أمر عسير ، فمتى أغفل من ذلك شئ كان الخطأ الواقع بحسب الشئ الذي سها عنه وترك استعماله . ثم من بعد تحصيل ما وصفناه ينبغي أن يعلم الحال التي عليها يوافي في تلك القوة الواحدة الأشياء التي تعرض فيها تلك الاحداث ، كأنه مثلا إذا دل ما في الفلك على حدوث حر ، وكانت الأشياء التي يعرض فيها ما يعرض قد مر بها قبل ذلك حر ، فحميت وسخنت أثر ذلك فيها أثرا قويا ، فإن كان قد مر بها برد قبل ذلك ، أثر ذلك فيها أثرا ضعيفا ، وهذا شئ يحتاج إليه في جميع الاحداث التي تعمل في غيرها مما يناسب هذه المعرفة . وأما الاحداث التي تخص ناحية ناحية ، أو قوما قوما ، أو جنسا جنسا ، أو مولودا واحدا من الناس فيحتاج مع معرفتها إلى أن يعلم أيضا أحوال البلاد والعادات ، والأغذية والأوباء وسائر ما يشبه ذلك مما له فيه أثر وشركة ، مثل ما يفعل الطبيب في المعالجة ، وفى تقدمة المعرفة ، ثم من بعد تحصيل هذه الأشياء كلها ينبغي أن ينظر في الامر الذي قد استدل على حدوثه ، هل هو مما يمكن أن يرد أو يتلافى بما يبطله أو بغيره من جهة